منتديات نور حياتك

إن الناظر في هذه المنتدى سيجد أن الشموع التي أشعلناها موزعة على مجالات عديدة, لكن يجمع بينها استهداف الارتقاء بشخصيات إخواني وأخواتي في العالم العربي, وتقديم العون لهم على سلوك مسالك الرشاد, والتفوق في كل مجلات الحياة .


    تداعيات مذبحة غزة على النظام العربي

    شاطر
    avatar
    Your life
    المدير العام على منتديات نور حياتك

    عدد الرسائل : 981
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 101
    تاريخ التسجيل : 15/01/2009

    تداعيات مذبحة غزة على النظام العربي

    مُساهمة من طرف Your life في الجمعة يناير 16, 2009 6:54 am

    لا يحتاج النظام العربي إلى مزيد من التحليل، ليكتشف المرء ما وصل إليه من تفتت وتراجع ينذر بمستقبل مجهول لهذا النظام، فعدا عن فشل الدعوات إلى عقد مؤتمر للقمة العربية، فإن اجتماع وزراء خارجية الدول العربية جاء تجسيدا لواقع النظام العربي، حيث أدى فشل الوزراء في الاتفاق على موقف موحد من المذبحة الدائرة رحاها في غزة إلى "رمي" المسؤولية على مجلس الأمن، ويعلم السادة الوزراء أكثر من غيرهم ماذا سيؤول إليه قرار مجلس الأمن، وكأنهم بذلك يريحون كاهلهم من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الدماء التي تسفك على أرض غزة.


    ومن هنا فإن ما تمخض عنه مجلس الأمن لم يكن أفضل مما كان سيصدر عن الوزراء الذين اجتمعوا في القاهرة، ولذا لم يجد القرار الذي صدر عن مجلس الأمن بجهود عربية حثيثة صدى لدى إسرائيل، وكان موقف نائب وزير الدفاع الإسرائيلي معبرا عن رؤيته للموقف العربي، بل الموقف الدولي، فقد قال "لن يصيب إسرائيل شيء، إذا نظرت إلى قرار مجلس الأمن باعتباره حبرا على ورق!!". ولذا لم تلتفت إسرائيل إلى هذا القرار، وواصلت مذبحتها في غزة على مرأى ومسمع من العالم دون أن يحرك ذلك في العرب، أو دول العالم ساكنا.

    إن هذا الفشل في اتخاذ موقف عربي موحد يشير إلى أن هذا النظام العربي وآلياته المتمثلة في الجامعة العربية لم يعد صالحا للتعامل مع قضايا العصر، وأن العمل العربي المشترك ليس إلا "منتدى" للسياسيين العرب لتبادل الهموم والمشكلات، مثله مثل أي لقاء دولي أو إقليمي آخر. فإذا كان العرب غير قادرين على اتخاذ موقف موحد، أو على أقل تقدير، تنسيق مواقفهم تجاه قضية طالما اعتبرها العرب قضيتهم الأولى، فإنهم سيكونون أعجز عن اتخاذ مثل هذا الموقف في القضايا الأخرى المختلف عليها. ومن هنا فإن العرب أمام مفترق طرق في عملهم المشترك وآلياته، فإما أن يتفقوا على تطوير هذا العمل، وإيجاد آليات أكثر فاعلية وعملا، وإما أن يحلوا هذا العمل ويتوجهوا إلى المنظمات الدولية والإقليمية منفردين، شأنهم شأن باقي الدول، لكن ثمن هذا الخيار سيكون باهظا. ولعل هذا الثمن يتمثل في أن التحولات العالمية لا تترك مجالا للعمل الفردي في زمن التكتلات الكبرى التي تريد أن تملأ أي فراغ قد ينشأ في أي منطقة من العالم. وهذا ما بدا واضحا في الأزمة الحالية بسبب المذبحة على غزة، فقد فتح الغياب العربي المجال واسعا لدول الجوار للقيام بدور في الأزمة بديلا عن الدور العربي، فتركيا التي تطمح أن يكون لها دور إقليمي يعزز موقفها أمام الاتحاد الأوروبي الذي يتمنع عن قبول عضويتها فيه، تحاول أن يكون لها دور في دول الجوار.

    وإذا كان العراق مسرحا للدور التركي بسبب مشكلة حزب العمال الكردستاني، فإن مذبحة غزة مهدت الدور لتركيا لتكون وسيطا جيدا بين الأطراف، لما لها من علاقات جيدة مع الجميع، مكنتها وتمكنها من القيام بدور الوسيط، على الرغم من الموقف القوي للحكومة التركية من المذبحة في غزة، فقد جاءت تصريحات الساسة الأتراك، وعلى رأسهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، قوية وواضحة، حين وجه الاتهام لإسرائيل بعدوانها على غزة. كما أن نشاطات تركيا على الساحة السياسية الداخلية والخارجية تمثلت في المساندة الواضحة من الشعب التركي مدعومة من الحكومة لضحايا المذبحة في غزة، كما تحركت تركيا بعقد لقاءات للمسؤولين في المنطقة.. فهناك لقاء البرلمانيين في الدول الإسلامية، ولقاء زوجات الزعماء في الدول الإسلامية، إضافة إلى التحرك بين دول الإقليم للقيام بالوساطة، ما جعل تركيا حاضرة في الشأن العربي، وهو دور فشلت فيه بعض الدول العربية التي كان من المؤمل أن تقوم به بدلا من تركيا التي ملأت فراغا في النظام العربي، ومهدت لتدخلات دول أخرى.

    ولعل الاتهام الذي يوجه إلى إيران يشير إلى دور آخر في المنطقة، حيث عملت إيران قبل الأزمة وخلالها على أن تُسمع صوتها للجميع، بل تحركت على المستوى السياسي الفردي والإقليمي، فنشط مسؤولوها السياسيون في المنطقة، وجاءت تحركاتهم لتؤكد أنها لاعب أساسي فيها. ولم تكتف بهذا فقد "حشدت" جهود الآخرين وراءها، حين شكلت وفدا من البرلمانيين الآسيويين جال على دول المنطقة. ولم تخفِ طهران دعمها للمقاومة الفلسطينية، وتملأ بذلك فراغا تركه النظام العربي الذي اكتفى بكيل الاتهام لطهران، ولتدخلها في الشأن العربي، وكأن العرب كانوا ينتظرون من إيران أن تستأذنهم في هذا التدخل، ولم يعلموا أن الدول التي تريد أن يكون لها موقع مؤثر في الإقليم، تفرض نفسها وبخاصة إذا وجدت فراغا لابد من أن يملأ، ولم يسأل العرب أنفسهم ماذا فعلوا لسد هذا الفراغ قبل أن يملأه غيرهم؟!

    أما المتدخل الآخر في الشأن العربي فقد جاء من فرنسا، فالرئيس الفرنسي المعجب بالدور الأميركي "يحلم" أن يقوم بهذا الدور بديلا عن أميركا، وخاصة في فترة الفراغ الأميركي بانتقال الإدارة من بوش إلى أوباما. كما يحلم ساركوزي بأن يسجل التاريخ اسمه باعتباره "المؤسس" لمشروع الاتحاد من أجل المتوسط، وهو المشروع الذي يريد من خلاله أن تعود فرنسا إلى السطح، بعدما غطتها أمواج الساسية الأميركية. ولذا أراد أن يجعل من مشروعه ميدانا لفرنسا جديدة تقوم بدور جديد، يتمثل بدمج إسرائيل في المجموعة العربية من خلال بوابة "المتوسط". ولهذا فإن حضوره "المبهرج" إلى المنطقة كان بهدف إحياء دور فرنسا، لكنه أخطأ الطريق حين انحاز تماما إلى جانب المعتدي دون أن يلتفت للضحية، فكال الاتهام للمقاومة الفلسطينية باعتبارها الطرف الذي قام بالاعتداء، وأنها قامت بخطأ "لا يغفر لها" كما صرح في أثناء جولته على المنطقة!

    ومع كل ما قام به من اتصالات لم يستطع أن يقدم مبادرته إلا من خلال "تزكيتها" بالموقف المصري، لأنه يعلم أن الطرف الفلسطيني لن يقبل بها بسبب انحيازها الكامل للمعتدي.

    إن كل هذه الأدوار تشير إلى أن الساحة العربية أصبحت مفتوحة لدول الجوار القريب والبعيد للتدخل في الشأن العربي، وما كان ذلك ليحدث إلا بسبب غياب الدور العربي، وتراجعه عن القيام بدوره. ولعل مذبحة غزة كشفت أن النظام العربي لم يعد مقبولا من العرب أنفسهم، ولذا نجد بعض المسؤولين العرب يقفون أمام أبواب واشنطن وباريس وأنقرة وطهران يبحثون عن حلول لمشكلاتهم العربية، ولا يعلمون أنهم بذلك يفتحون أبواب دولهم المشرعة لتدخلات، طالما اعتبروها تدخلات غير مرغوب فيها، فهل تغير الزمن أم تغير العرب؟!

    *نقلاً عن صحيفة "أوان" الكويتية

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 16, 2018 7:17 am