منتديات نور حياتك

إن الناظر في هذه المنتدى سيجد أن الشموع التي أشعلناها موزعة على مجالات عديدة, لكن يجمع بينها استهداف الارتقاء بشخصيات إخواني وأخواتي في العالم العربي, وتقديم العون لهم على سلوك مسالك الرشاد, والتفوق في كل مجلات الحياة .


    "قنبلة بولتون"

    شاطر
    avatar
    Your life
    المدير العام على منتديات نور حياتك

    عدد الرسائل : 981
    السٌّمعَة : 0
    نقاط : 101
    تاريخ التسجيل : 15/01/2009

    "قنبلة بولتون"

    مُساهمة من طرف Your life في الجمعة يناير 16, 2009 6:49 am

    لا يريد "المحافظون الجدد" في الولايات المتحدة أن يكفوا آذاهم عن منطقة الشرق الأوسط، بالرغم من غروب شمسهم التي ستغيب عن مراكز صنع القرار في واشنطن مع خروج الرئيس جورج بوش من البيت الأبيض يوم الثلاثاء القادم. اختار أحد أقطابهم وقتاً بالغ الحساسية لإلقاء قنبلة سياسية، وسط القنابل المدمرة التي حولت قطاع غزة إلى جحيم قتلاً وجرحاً وتخريباً وتدميراً. ولكن "قنبلة" جون بولتون السفير الأميركي السابق لدى الأمم المتحدة استهدفت مصر والأردن في لحظة حرجة بالنسبة إلى الدولتين، وشديدة الحرج بالنسبة إلى مصر بصفة خاصة بسبب انفجار غير مسبوق في غزة المرتبطة بها جغرافياً وتاريخياً.


    فقد دعم بولتون الشكوك العميقة التي تسود في أوساط الحكومة المصرية وأجهزتها من مخطط يهدف-أولًا- إلى توريطها في قطاع غزة على نحو يلحق بها ضرراً جسيماً، لا يقارن به الأذى الذي تعرضت له في الأسابيع الأخيرة، ويسعى-ثانياً- إلى تصفية قضية فلسطين. كما أحيا المسؤول الأميركي السابق قلق الحكومة الأردنية من توريطها في الضفة الغربية بدعوته إلى ما أسماه خيار الدول الثلاث، بعد أن فشل خيار الدولتين نهائياً في رأيه.

    والمقصود بالدول الثلاث، في مقالة بولتون التي نشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأسبوع الماضي، إسرائيل ومصر والأردن. والمعنى، هنا، هو أنه لا ضرورة لإقامة دولة فلسطينية بجوار إسرائيل وفقا لما يُطلق عليه خيار الدولتين اللتين تتعايشان في سلام.

    انطلق بولتون من حقيقة نسبية هي أن هذا الخيار وصل إلى طريق مسدود. ولكنه جعل هذه الحقيقة مطلقة ليعفي إسرائيل من المسؤولية عن عرقلة الجهود السلمية التي استهدفت الوصول إلى حل في إطار ذلك الخيار. وكان آخرها المفاوضات التي بدأت بعقد مؤتمر أنابوليس في نوفمبر 2007، وأدخلتها إسرائيل مرة أخرى في متاهات لم تخرج منها، قبل أن تشن عدوانها الهمجي على قطاع غزة.

    وقد قفز بولتون على هذا الواقع المر ليطرح تصوراً يمكن أن يزيد الموقف في المنطقة تعقيداً. ويتلخص هذا التصور في أن أي حل يقوم على أساس الدولتين محكوم عليه بالفشل، وأن (علينا بالتالي أن نفكر فى التوجه نحو خيار الدول الثلاث، حيث يتم إرجاع غزة إلى السيطرة المصرية، وإعادة الضفة الغربية إلى السيادة الأردنية).

    وحين يُطرح هذا التصور في لحظة شديدة الحرج، فهو يفاقم قلق مصر والأردن، ويدفعهما إلى الشك في "خطة" ما للسعي إلى تنفيذه، بالرغم من أنه مازال فكرة يجري تداولها من وقت إلى آخر في منتديات سياسية وفكرية مثل معهد "انتربرايز" الأميركي الذي يعمل فيه بولتون بعد أن ترك منصبه في إدارة بوش في ديسمبر 2006.

    ولم يكن بولتون هو أول من طرحه في الفترة الأخيرة التي شهدت انفصالاً جغرافياً، وليس فقط سياسياً، بين قطاع غزة والضفة الغربية. فعلى مدى عام ونصف العام، منذ أن سيطرت حركة "حماس" على القطاع، حدث جدل متناثر في أروقة غير رسمية أميركية وإسرائيلية، وكذلك عربية، مختلفة انطلاقاً من افتراض مؤداه أن الانقسام الفلسطيني قد لا يكون مؤقتاً.

    وإذا كان طبيعياً أن يأخذ كل من مصر والأردن حذره ويستعد للتعامل مع خيار "الدول الثلاث" إذا تحول إلى سيناريو محتمل، فقد تمادت القاهرة بصفة خاصة في قلقها إزاء مستقبل قطاع غزة. وكان هذا هو أحد أهم الأسباب التي صعبت حركتها الدبلوماسية، وجعلت خصومها الإقليميين يحاولون تشويه صورتها والنيل من دورها.

    أداء مصر الدبلوماسي امتزج بالقلق من إمكان توريطها في قطاع غزة عبر إلقاء مسؤوليته عليها واحتمال تهجير أعداد كبيرة من أبناء هذا القطاع إلى سيناء توطئة لتوطينهم فيها. فأحد أهم مصادر الإرباك في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي في أي دولة هو عدم وضوح نوع التهديد ومستوى الخطر الذي يمثله. وكان واضحاً في الفترة الأخيرة، ومازال، أن السياسة الخارجية المصرية مدفوعة في إدارة أزمة قطاع غزة بمصدرين للتهديد، يمكن أن يجتمعا نظرياً، ولكن يبدو تزامنهما صعباً في الواقع بشكل عام، وفي مثل هذه الأزمة بوجه خاص.

    فتوريط مصر في قطاع غزة وتحميلها المسؤولية عن هذه المنطقة الصغيرة المكتظة البائسة لا يمكن أن يتحقق بدون قبولها بذلك، لأنه يعني تغيير وضع هذا القطاع من إقليم تحت الاحتلال إلى منطقة تخضع لنوع من الإدارة الخاصة. وتغيير هذا لابد أن يتحقق رضاء ويصدر به قرار من مجلس الأمن الدولي.

    أما توطين أعداد من الفلسطينيين، كثروا أو قلوا، في سيناء المصرية فقد يصعب تصور حدوثه إلا من خلال فرض أمر واقع يترتب إما على عملية "ترانسفير" تنظمها إسرائيل بالقوة العسكرية العارية من أي شرعية دولية، أو على محاولة حركة "حماس" التخفف من الآثار السلبية لحصار خانق على قطاع غزة إذا طال أمده.

    ولما كان فرض هذا الأمر الواقع يرتبط بأحد افتراضين يبدو كل منهما بعيداً للغاية في أي مدى منظور، فيما تتوقف إعادة قطاع غزة إلى الإدارة المصرية على استعداد مصر لقبول ذلك، يصير القلق الزائد في القاهرة مما يمكن أن يُطلق عليه "الخيار المصري" مبالغاً فيه.ومع ذلك، فهو لم يأت من فراغ لأن المعضلة التي خلفتها أزمة قطاع غزة منذ يونيو 2007 تخلق أجواء تدفع إلى حذر قد يؤدي ضعف الأداء الدبلوماسي إلى مبالغة فيه.

    وبالرغم من أن عماّن تبدو بعيدة نسبيا عن معضلة قطاع غزة التي اصطدمت بها القاهرة بشكل مباشر، فقد أصاب القلق القيادة الأردنية بدورها على نحو أدى إلى مراجعة سياستها تجاه حركة "حماس" ووضع حد للقطيعة التي بدأت عام 1996 بإبعاد أعضاء مكتبها السياسي من البلاد، والتصعيد الذي وصل عام 2006 إلى اتهامها بتهريب أسلحة ومتفجرات لاستخدامها في أعمال عنف داخل الأردن.فلم تمض شهور على استيلاء حركة "حماس" على قطاع غزة حتى شرعت الأردن في وقف هذا التصعيد، والتحول من القطيعة إلى حوار بدأ في مارس 2007 بمدينة العقبة بلقاء على أعلى مستوى. وكان القلق من احتمال ترسيخ الانقسام الفلسطيني، وبالتالي فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، هو المحرك الأول لهذا التحول في السياسة الأردنية تجاه حركة "حماس"، لأنه يمكن أن يؤدي إلى إحياء "الخيار الأردني"، الذي أعاد بولتون طرحه فعلًا مصحوبا بـ"خيار مصري" بالنسبة إلى قطاع غزة.

    ولذلك تحركت الحكومة الأردنية وغيرت سياستها تجاه حركة "حماس" سعياً إلى كسب دعمها وغيرها من الإسلاميين الفلسطينيين لموقفها الذي يرفض هذا الخيار ويصر على التمسك بقرار العاهل الراحل الملك حسين بفك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية. ويكتسب هذا التحرك ضرورته بالنسبة إلى عماّن من النفوذ الذي تمتلكه "حماس" على الإسلاميين الأردنيين (الإخوان المسلمين) الذين لم يوافقوا على قرار فك الارتباط حين صدر قبل عقدين.

    وهكذا أدى تفاقم أزمة قطاع غزة يوما بعد يوم، منذ هيمنة حركة "حماس" عليه في يونيو 2007 إلى ازدياد قلق كل من مصر والأردن. اشتد قلق مصر من إمكان توريطها في تحمل المسؤولية عن القطاع البائس أو تهجير بعض سكانه إليها. وتوسعت هواجس الأردن من إمكان إحياء "الخيار الأردني" دولياً، ومن ثم الضغط عليها لاستعادة قسم من الضفة الغربية نتيجة تكريس انفصال قطاع غزة عنها.

    وبالرغم من أن الوضع على الأرض يبدو مقلقا للقاهرة بدرجة أكبر، فثمة تاريخ طويل لـ"الخيار الأردني" الذي كان أحد الحلول الأساسية المطروحة لقضية فلسطين بعد حرب 1967 وحتى التوصل إلى توافق عربي في العام 1974 على أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

    وبعد أن قاومت الدولة الأردنية هذا الاتجاه إلى إعادة قضية فلسطين لأصحابها، اتجهت إلى تأييده ثم دعمته بما اعتبرته خياراً نهائياً يشطب "الخيار الأردني" عبر قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية. وحدث ذلك في الوقت الذي كان الاقتصاد في الأردن يحقق تقدما والوضع السياسي يتجه إلى الاستقرار النسبي، على نحو يجعل استعادة السيادة على الضفة الغربية، أو بالأحرى القسم الذي تقبل إسرائيل التخلي عن السيطرة عليه، عبئاً ثقيلًا وإنْ كان أقل فداحة مما تعتبره مصر توريطاً خطيراً لها إذا أعيد وضع قطاع غزة تحت إدارتها.

    ومن هنا حساسية الدولتين تجاه أي طرح ينطوي على العودة إلى الوضع الذي كان قائماً حين اندلعت حرب 1967. فبالرغم من أن هذا الوضع لا يعتبر خياراً عملياً ممكناً لمستقبل غزة والضفة، سيظل "الخيار المصري" للأولى و"الخيار الأردني" للثانية مصدر قلق لكل من القاهرة وعماّن في لحظة عدم يقين بشأن مستقبل المنطقة ودولها.

    *نقلاً عن صحيفة "الاتحاد" الإماراتية

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أكتوبر 22, 2017 7:15 am